محمد سعيد رمضان البوطي

115

فقه السيرة ( البوطي )

وأخرجه غيرهما من عامة علماء الحديث ، وقال ابن كثير : ( قد وردت بذلك الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة . . ) . وهذا أمر متفق عليه بين العلماء : إنه قد وقع في زمان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنه كان إحدى المعجزات الباهرات « 1 » . ومن ذلك حديث الإسراء والمعراج الذي نسوق هذا البحث بمناسبته وهو حديث متفق عليه لا تنكر قطعية ثبوته ، وهو بإجماع جماهير المسلمين من أبرز معجزاته . ومن العجيب أن هؤلاء الذين لا يفتأون يروجون صفة العبقرية ، والعبقرية وحدها للرسول صلى اللّه عليه وسلم ويبعدون اسم المعجزات والخوارق عن حياته يتجاهلون هذه الأحاديث المتواترة التي بلغت من الصحة درجة القطع ، فلا يتحدثون عنها سلبا ولا إيجابا كأن كتب الحديث غير ممتلئة بها ، يعدّ لكل منها ما قد يزيد على عشرة طرق . ومن الواضح أن سبب هذا التجاهل هو التهرب من الإشكال العويص الذي سيواجهونه لدى النظر في هذه الأحاديث ؛ إذ هي تناقض في خط صريح واضح النظرية التي تطوف برؤوسهم « 2 » . ثالثا : المعجزة ، كلمة لا يوجد لها معنى ذاتي عند التأمل والتدبر ، وما يراد بها ؛ إنما هو معنى نسبي مجرد ، فالمعجزة فيما تواضع عليه اصطلاح الناس كل أمر خارج على المألوف والعادة ، وكل من المألوف يتطور بتطور الأزمنة والعصور ، ويختلف باختلاف الثقافات والمدارك والعلوم ، فرب أمر كان قبل فترة من الزمن معجزة فانقلب اليوم إلى شيء معروف ومألوف ، ورب أمر مألوف في بيئة متمدنة مثقفة ، ينقلب معجزة بين أناس بدائيين غير مثقفين . بل الحق الذي يفهمه كل عاقل ، أن المألوف وغير المألوف ، معجزة في أصله . فالكواكب معجزة ، وحركة الأفلاك معجزة ، وقانون الجاذبية معجزة ، والمجموعة العصبية في الإنسان معجزة ، والدورة الدموية فيه معجزة ، والروح التي فيه معجزة ، والإنسان نفسه معجزة ، وكم كان دقيقا ذاك العالم الفرنسي « شاتوبريان » الذي أطلق على الإنسان اسم « الحيوان الميتافيزيقي » أي الحيوان الغيبي المجهول . غير أن الإنسان ينسى - من طول الإلف واستمرار العادة - وجه المعجزة وقيمتها في

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير : 4 / 261 . ( 2 ) من هؤلاء صاحب « حياة محمد » فقد ترنح ترنحا غريبا ، وهو يحاول أن يفر من إلزامات هذه الأحاديث وأمثالها ، كي لا يعكر على نفسه صفو نظريته الخيالية عن محمد .